منطقة إعلانية



منطقة إعلانية



منطقة إعلانية



إبراهيم مصطفى يكتب.. المشروعات الصغيرة والمتوسطة.. تجارب دولية ..تجربة الهند (1)


اقتصادنا يا تعبنا… الحلقة 40..

لقد زرت الهند فى أبريل 2008 (وتحديداً نيودلهى ومومبيه «بومباي»)، وكانت شديدة الرطوبة والحرارة.. وأبهرنى فيها حجم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومدى اهتمام الحكومة بها ودورها فى الحد من البطالة والفقر وانتقال العديد من المشروعات الصغيرة إلى مصاف المتوسطة والمتوسطة إلى الكبيرة وتعميق التصنيع المحلى وتبنى مفهوم العناقيد الصناعية أو التجمعات الصناعية clusters، وتوسع هذه المشروعات فى المناطق الجغرافية فى ولايات متعددة فيها.. ورأيت عشش الصفيح منذ الخروج من المطار بومباى حتى وصلنا للفندق الفخم على شاطئ المحيط.. كثافة سكانية عالية وفقر مدقع.. إلخ.
لا شك أن التجربة الهندية من التجارب القديمة التى ارتبطت بداياتها برؤية المهاتما غاندى تجاه مقاومة الاحتلال البريطانى للهند، والتى ارتكزت على فلسفة الاعتماد على الذات اقتصادياً وزيادة فرص التوظيف للمواطنين ومكافحة الفقر بالتوظيف، من خلال تبنى فكرة المشروعات الصغيرة.

حيث كان المهاتما غاندى يردد، دائماً، مقولة الاقتصادى الألمانى شوماخر «Small is beautiful»، أى كل ما هو صغير.. جميل.
ويشكل تشجيع وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة أهم الموضوعات التى تعنى الحكومة الهندية، وبالتالى السياسة الصناعية القومية فيها. وذلك لإيمان الحكومة أن تشجيع هذه النوعية وتنميتها يعد إحدى الوسائل التى تواجه البطالة والفقر الذى يعانى منه غالبية الشعب الهندى. فالصناعات الصغيرة تقدم أكبر عدد ممكن من فرص العمل بعد قطاع الزراعة مباشرة، ومن هنا فقد احتلت هذه النوعية من المشروعات مكاناً بارزاً فى الاقتصاد الهندي.
وقد نجحت الهند فى تنمية القطاع الصناعى وتنويع المنتجات الصناعية، من خلال التركيز على المشروعات الصغيرة كثيفة العمالة والتى لا تحتاج إلى رأس مال كبير، وهو توجه يتفق مع ظروف الهند، بسبب افتقار هذا البلد إلى الموارد المالية ولاسيما فى الفترة إضافة إلى مشكلة الزيادة الكبيرة فى السكان.
ومما يدلل على نجاح التجربة الهندية هو خلق عدد أكبر من فرص العمل، وخفض معدلات البطالة؛ حيث أصبحت المشروعات الصغيرة والمتوسطة تحتل المركز الثانى بعد القطاع الزراعى مباشرة، من حيث توليد فرص العمل، وأصبح إنتاجها يمثل حوالى 50% من الإنتاج الصناعى الهندى، وتوظف نحو 17 مليون عامل. ومن هنا فقد احتلت هذه النوعية من المشروعات مكاناً بارزاً فى الاقتصاد الهندى.
وتعرف المشروعات الصغيرة فى الهند بالمشروعات التى لا تتجاوز تكاليفها الاستثمارية 65 ألف دولار، أما المشروعات المتوسطة فهى التى لا تتجاوز تكاليفها الاستثمارية 750 ألف دولار. ويضم قطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة فى الهند أكثر من 3 ملايين وحدة صناعية.
ونظراً إلى أهمية تنمية هذه المشروعات وتشجيعها فقد تعددت أشكال الدعم الحكومى لها، وتبلورت فى عدة محاور من أهمها:
1. الحماية: حيث أصدرت الحكومة قراراً بتخصيص 80 سلعة استهلاكية تقوم بإنتاجها الصناعات الصغيرة والمتوسطة فقط؛ ومن ثم ضمنت لها عدم المنافسة من كيانات أكبر منها، وبالتالى الحماية والاستقرار. مع السماح فى ذات الوقت للصناعات الكبيرة بتصنيع السلع المخصصة للصناعات الصغيرة بشرط تصدير 50% من منتجاتها للخارج، ما يساهم فى تحسين وضع ميزان المدفوعات والميزان التجارى، وتوفير العملة الصعبة والتواجد فى الأسواق العالمية مثلما يحدث فى صناعة البرمجيات.
2. التمويل: أتاحت الحكومة المجال أمام المشروعات الصغيرة للحصول على قروض ائتمان بنسب فائدة منخفضة للغاية، لتلبية احتياجاتها التمويلية وتوفير السيولة اللازمة لها وبآجال مختلفة.
3. توفير البنية الأساسية اللازمة لمثل هذه المشروعات وفى مقدمتها التدريب وتطوير مهارات الإدارة والتكنولوجيا، وإقامة المجمعات الصناعية، فضلاً عن المساعدة في عنصر التسويق، والربط بين أصحاب الصناعات الصغيرة وبعضهم البعض، ومساعدتهم على أن يكونوا صناعات مغذية للشركات الكبرى، من خلال توفير البيانات والمعلومات والفرص المتاحة من خلال قاعدة بيانات متكاملة.
4. تتولى الحكومة الإشراف على هذا القطاع ومتابعته من خلال جهاز خاص يسمى «إدارة الصناعات الصغيرة والريفية»، الذى يهدف إلى إعداد وتنفيذ السياسة القومية فى مجال تنمية، وتعظيم دور مثل هذه المشروعات فى الاقتصاد الهندى.. ويعالج هذا الجهاز مشاكل الصناعات الصغيرة والمتوسطة، من خلال إعادة صياغة القوانين والسياسات الخاصة بالصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم الدعم المادى والفنى لها.
كما يقوم هذا الجهاز بإنشاء المعاهد الخدمية لتوفير الخدمات لها والقيام بعمليات التدريب، فضلاً عن إنشاء محطات اختبار الجودة، ومراكز البحث والتطوير لتوفير التكنولوجيا اللازمة ودراسات الجدوى المتخصصة.
5. أنشأت الحكومة صندوقاً للمساعدة على تطوير تكنولوجيا المشروعات الصغيرة، وتحسين مستوى العمالة وتقديم الدعم المادى والفنى لتطوير المنتجات رصدت له 50 مليون دولار، وبذلك استبدلت الحكومة الحماية من فرض رسوم وضرائب على المنتجات المستوردة إلى تقديم الدعم المادى والفنى لتطوير المنتجات، وهذا بلا شك أكثر جدوى بالنسبة للاقتصاد القومى فى الأجلين القصير والطويل.
6. توفير البنية الأساسية للمشروعات الصغيرة من خلال إقامة المجمعات الصناعية الضخمة، التى تشمل شبكات توزيع الكهرباء والمياه والاتصالات والصرف الحى ومراقبة التلوث، وإنشاء الطرق والبنوك والمواد الخام، ومنافذ التسويق والخدمات التكنولوجية.
7. وضع نظام للإعفاءات الضريبية على أنشطة المشروعات الصغيرة والمتوسطة يتدرج عكسياً مع قيمة رأس المال المستثمر، بحيث تقل نسبة الإعفاء الضريبى تدريجياً مع الزيادة التدريجية فى رأسمال المشروع الصغير.
كما تقدم الحكومة العديد من المزايا والإعفاءات الضريبية وخدمات معينة للمشاريع الصغيرة، التى تقام فى مناطق جغرافية محددة، لتشجيع القطاع الخاص على تنميتها، وتحقيق التوازن فى التنمية بين جميع أقاليم الدولة.
8. خلق نوع من التكامل بين المشروعات الكبيرة والصغيرة، حيث ألزمت الشركات الكبيرة بتقديم جميع المعلومات المتاحة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وتم الاتفاق مع الشركات الحكومية على أن تقوم الصناعات الصغيرة بالاشتراك فى تصنيع 30% من الأجزاء فى المعدات الهندسية الثقيلة، 45% من المعدات الهندسية المتوسطة، 25% من وسائل النقل، و40% من المنتجات الاستهلاكية.
إن ذكر التجارب هو للتذكير بأنه يمكننا الاستفادة منها بما يلائم واقعنا ويفتح المجال لأفق أوسع للإصلاح فى هذا المجال.. وللحديث بقية عن تجربة كوريا الجنوبية فى الحلقة القادمة..
وما نبغى الا إصلاحاً

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية



نرشح لك


http://www.alborsanews.com/2017/05/18/1023219