منطقة إعلانية




منطقة إعلانية




حسن مصطفى يكتب: وزارة المسئولية المجتمعية


التفكير فى المستقبل دائماً يكون أكثر إجهاداً للعقل؛ لأنه يحاول جاهداً أن يجسد ما لا يراه ليحوله لحقيقة على أرض الواقع. ولكننا لا نمتلك إلا التفكير فى المستقبل؛ لكى نغير الواقع الذى نعيشه. فهل من مستمع لتلك الأفكار؟
أبدأ كتابة مقالى انطلاقاً من إيمانى بالقاعدة السابقة. التفكير هو الحل. وكانت الفكرة الأولى التى طرأت فى ذهنى لماذا لا يشكل النظام الرئاسى فى مصر وزارة تهتم بالمسئولية المجتمعية لتنظيم العلاقة بين الأطراف المعنية والمهتمة بها لتحقيق أقصى استفادة من المجهودات المبذولة لتنمية المجتمع، خاصة أن الحكومة تعانى مشكلات متراكمة فى تطوير منظومة التنمية البشرية سواء «تعليم« أو «صحة» أو توفير سكن ملائم لينعم المواطن بحياة كريمة يشعر بها ويفتخر حقاً بمواطنته فى بلد يراعى ويوفر أبسط حقوقه.

وهناك تجارب لعدد من الدول المختلفة التى سبقتنا فى مجال المشاركة المجتمعية وضعت أطراً تنظيمية استطاعت من خلالها دفع عجلة النمو وتحقيق قفزات هائلة ومنها سنغافورة التى تعد تجربة المسئولية المجتمعية للشركات مختلفة بها؛ حيث تسيطر الدولة على كافة النواحى الاقتصادية والمجتمعية. فالدولة توفر خدمات السكن والتعليم والصحة، كما تلتزم الشركات الصناعية فى سنغافورة بتوفير الحماية التأمينية للعاملين وأصحاب المعاشات بموجب القوانين المختلفة. ومن ثم فإن الشركات فى سنغافورة تلتزم بأحد مظاهر المسئولية المجتمعية لرأس المال والمتمثل فى الحوكمة الرشيدة.

وفى ضوء الدور الذى تلعبه الحكومة فى سنغافورة، قامت بسن القوانين واللوائح اللازمة لتنظيم وتشجيع مشاركة الشركات فى برامج المسئولية المجتمعية لرأس المال.

كما قامت بتبنى برنامج للعقد الاجتماعى بين الشركات وأصحاب المصالح. ومن ثم يغلب الطابع الإجبارى وليس التطوعى على تجربة المسئولية المجتمعية لرأس المال فى سنغافورة، خاصة فى ضوء القيود الصارمة التى تفرضها الحكومة على التزام الشركات بالمعايير الدولية وبأفضل الممارسات فى مجال الحوكمة.
وفى عام 2004 أطلقت الحكومة المبادرة الوطنية الثلاثية وذلك من أجل رسم إستراتيجية للمسئولية بين الشركات، كما شكلت لجنة لمتابعة الترويج لشهادة iso 26000. كما شجعت على إقامة المؤتمرات وورش العمل لتدعيم مشاركة الشركات فى برامج المسئولية المجتمعية.
ومن التجارب الناجحة أيضاً فى مجال المسئولية المجتمعية التجربة الدنماركية والتى كان لها تأثير إيجابى على سوق العمل. ففى يناير 1994، أطلق رئيس الوزراء الدنماركى حملة لترويج المسئولية المجتمعية. حيث تم اختيار مجموعة من الشركات، من القطاعين العام والخاص، التى أعلنت عن رغبتها فى المشاركة فى بعض البرامج المجتمعية فى مجال التشغيل والصحة.

وقد خصصت الحكومة الدنماركية خلال الفترة من 1995- 1999 ما يقرب من 131 مليون كرونة دنماركية. كما استحدثت الحكومة الدنماركية مؤشراً اجتماعياً (Social Index) لقياس مساهمة الشركات فى برامج المسئولية المجتمعية، ويحتسب بناء على تقييم مديرى الشركات والعاملين بها لبرامج المسئولية المجتمعية التى يقومون بتنفيذها، ويأخذ هذا المؤشر قيماً تتراوح بين (صفر للشركات التى لا تشارك فى برامج المسئولية المجتمعية و100 للشركات النشطة جداً فى هذا المجال).
وفى عام 1996 أنشأ وزير الشئون المجتمعية «الشبكة القومية لمديرى الشركات» (The National Network of Enterprise Managers).
والتى تقوم بمنح جائزتين كل عام لأكثر الشركات نشاطاً فى مجال تنفيذ برامج المسئولية المجتمعية، وتُمنح إحدى هاتين الجائزتين لشركة قطاع خاص والأخرى لشركة قطاع عام (Rosdahl2002).
وقد تم تقدير أثر برامج المسئولية المجتمعية للشركات فى خفض معدل البطالة خلال الفترة من 1994-2000 بحوالى 56% من خلال ثلاثة برامج أساسية: برنامج «فرص العمل الخاصة» والذى يعمل على توفير فرص عمل خاصة من حيث معدل الأجر وساعات العمل للعاملين الذين يعانون بعض الأمراض أو من كبار السن، وبرنامج «العمل المرن» الذى يستفيد منه من لا يملكون المهارات التى يتطلبها سوق العمل، وبرنامج «أصحاب المعاشات» الذين يستطيعون بمقتضاه الحصول على فرص عمل.

وتمنح الحكومة الدنماركية الشركات التى تسهم فى هذه البرامج دعماً يتراوح بين ثلث ونصف قيمة الحد الأدنى للأجر الذى يحصل عليه المستفيدون من هذه البرامج.
كما تقوم الحكومة بمنح هذه الشركات ميزة المشاركة فى المناقصات الحكومية دون غيرها من الشركات. وقد نتج عن تشجيع الحكومة الدنماركية للشركات على تحمل مسئوليتها المجتمعية زيادة عدد الشركات النشطة فى هذا المجال، فضلاً عن تأسيس عدد كبير من الشبكات والجمعيات الأهلية التى تعمل فى مجال مساندة الشركات لتبنى برامج المسئولية المجتمعية.(Rosdahl2002).
ولذلك على الحكومة أن تعيد النظر وتفكر فى آليات الاستثمار فى المواطن المصرى إذا كانت ترغب حقاً وصدقاً فى تحقيق تنمية مستدامة تدفع الوطن إلى الأمام وتجنب الأجيال القادمة ما نعانى منه الآن.
فنحن فى حاجة إلى وزارة يكون هدفها تسخير كافة مجهودات التنمية الى خلق مواطن مصرى صالح منتج منافس عالمياً. تتكاتف حولها كل الطاقات المجتمعية سواء شركات قطاع خاص أو منظمات مجتمع مدنى أو جهات حكومية ونعمل معاً بعيداً عن البيروقراطية القاتلة.
نعم بعيداً عن البيروقراطية القاتلة. فجميع الشركات التى تتبنى برامج مسئولية مجتمعية فعالة وهادفة تعانى من البيروقراطية التى تواجهها داخل الوزارات المختلفة لتنفيذ برامجها.
ليس من المنطق أن تمد الشركات يدها للتعاون لتقابلها الجهات الحكومية بالبيروقراطية، الأمر الذى يفقد هذه البرامج فعاليتها ودورها التنموى، خاصة أن هناك مبادرات تم إطلاقها وتوقفت لأسباب غير معلومة منها خريطة المسئولية المجتمعية التى أطلقها العقد الاجتماعى التابع لرئاسة الوزراء.
ولكن فى حالة وجود جهة واحدة تحمل جميع ملفات التنمية المجتمعية وتسعى لتحقيقها بالتعاون مع جميع الاطراف وتخلق حوافر تشجع بها الشركات لضخ المزيد من ميزانيتها لتنمية المجتمع والمواطن المصرى. بذلك سوف تتحقق التنمية ونجد أثراً تنموياً واضحاً ينتقل بمجتمعنا إلى طريق الاستدامة.
وأعتقد أن آليات تنفيذ هذه الجهة ليست مستحيلة بل تحتاج فقط الى توافق كافة الأطراف حولها.
ولذلك اعتبر هذا المقال دعوة الى الالتفاف حول تشكيل وزارة تهتم بالمسئولية المجتمعية فى مصر وتضع إطاراً تنظيمياً لها وتحدد الأدوار التى يقوم بها جميع الأطراف المعنية وتحديد المشاريع القومية والتنموية التى يلتف حولها الجميع.
والواقع المصرى ملىء بالتجارب والمجهودات الناجحة التى تسعى جاهدة لدعم الدولة فى تحقيق مشروعاتها التنموية ولكن تلك المجهودات ما زالت غير كافية. وتحتاج إلى إطار تنظيمى يوحد الجهود ويحدد الاحتياجات والأولويات.

حسن مصطفى هو الرئيس التنفيذي لشركة سي إس أر إيجيبت 

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية

نرشح لك


https://www.alborsanews.com/2016/12/03/939031