منطقة إعلانية




منطقة إعلانية




إبراهيم مصطفى يكتب: كوريا الجنوبية.. تحولات مسيرة التنمية وأسبابها (2)


اقتصادنا يا تعبنا….. الحلقةالـ 21..
لقد مر الاقتصاد الكورى بتغيرات وتحولات كبيرة خلال المسيرة التنموية منذ صياغة اول خطة اقتصادية عام 1962م، وحتى العام 2005م لتحقق هذه المعجزة الاقتصادية؛ كان من ابرزها:
– الدور الكبير الذى لعبه القطاع الصناعى فى تعظيم الناتج المحلى الإجمالى لكوريا.
– التحول من التركيز على الصناعات كثيفة العمل، ذات القيمة المضافة المتدنية (مثل صناعة الملابس والمنسوجات، الجلود والاحذية، المواد الغذائية، التبغ والمشروبات)، الى التركيز على الصناعات الثقيلة والكيماوية كثيفة رأس المال وذات القيمة المضافة العالية، ومن ثم التركيز على صناعة التقنيات العالية.
– كان التصدير محرك النمو الرئيسى للاقتصاد الكورى، فقد ساهمت الصادرات فى تحقيق 37% من قيمة الناتج القومى الإجمالى عام 2004، وبمعدل سنوى 25.4% للفترة الزمنية من عام 1965-2004م.
– استطاعت كوريا تحقيق اول فائض فى الميزان التجارى عام 1986م وبقيمة 4،2 مليار دولار. وبحلول عام 1988م كان الفائض فى الميزان التجارى قد وصل الى 11،4 مليار دولار أمريكي، و29،75 مليار دولار فى عام 2004م. وفى عام 2010م حققت كوريا فائضا فى الميزان التجارى مقداره 48،4 مليار دولار امريكي..
– تغير فى هيكل الصناعة الكورية، وتغير التركيبة السلعية للصادرات، فقد ارتفع الوزن النسبى للصناعات الثقيلة والمنتجات الكيماوية فى الصادرات الكلية إلى 83% عام 2004م، مقابل 15،7% للصناعات الخفيفة، و1،3% للصناعات الغذائية والمواد الخام..
– تطور الوزن النسبى للصناعات الثقيلة والكيماوية فى هيكل الصناعة التحويلية حيث بلغت مساهمة مخرجات هذه الصناعات نسبة 77% من إجمالى إنتاج قطاع الصناعة التحويلية عام 1999، مقارنة مع 33% عام 1970م. وانخفض بالمقابل الوزن النسبى للصناعات الخفيفة فى هيكل الصناعة التحويلية من 67% عام، 1970 إلى 23% عام 1999م.
– نمو حجم التجارة الخارجية، فقد تطورت الصادرات بمعدل 40% سنويا، حيث قفزت من مليار دولار أمريكى عام 1970م الى 254 مليار دولار عام 2004م. كما زادت الواردات أيضا إلى 224 مليار دولار عام 2004م. مع الزيادة المستمرة فى اعتماد كوريا على التجارة الخارجية، حيث وصلت نسبة الاعتماد إلى 54،6% فى المتوسط خلال الفترة من 1965-2004م. وقد ارتفعت نسبة الاعتماد من 21% عام 1965م إلى 71،2% عام 2004م.
– نتيجة للتغيرات التى حدثت فى هيكل الاقتصاد الكورى، تغيرت بالمقابل مساهمة القطاعات الاقتصادية فى الناتج المحلى الإجمالي، فبعد أن كانت مساهمة القطاع الصناعى 19%، و38% للخدمات، والزراعة 43% على التوالى عام 1967م، اصبحت فى عام 1999 28% للقطاع الصناعى، والخدمات 68%، والزراعة 4%. اما فى عام 2004م فقد كانت مساهمات القطاعات الاقتصادية كالآتي: الصناعة 20%، والخدمات 77%، والزراعة 3%.
– ازدياد اهمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة فى الاقتصاد الكورى حيث بلغت فى عام 2004 مساهمة هذه المنشآت فى التوظيف والقيمة المضافة فى قطاع الصناعة التحويلية إلى 76.9%، و52.8% على التوالي. كما بلغ معدل مساهمة المنشآت الصغيرة فى إجمالى الصادرات الكورية للأعوام من 1990-2004 نحو 39،7% سنويا. وكقيمة مطلقة، بلغت صادرات المنشآت الصغيرة والمتوسطة نحو 90،385 مليار دولار امريكى عام 2004م.
اسباب هذه التحولات:
لعبت العوامل الداخلية والخارجية دورا كبيرا فى عملية التنمية الاقتصادية الكورية، فقد ساعدت ظروف الحرب الباردة ورغبة الولايات المتحدة وحلفائها تحويل كوريا الى دولة صناعية حديثة مقابل كوريا الشمالية والصين، على تقديم مختلف أشكال الدعم والمساندة لكوريا ولعبت الحكومة الكورية دورا مهما فى قيادة الاقتصاد الكوري، حيث تدخلت بشكل مباشر ومكثف فى البدايات حتى وصل الى مرحلة النضوج والاعتماد الكامل على الذات.
أولا: العوامل الداخلية:
لقد كان للدولة دور محورى فى دفع عملية النمو الاقتصادي، والذى تمثل فى تشجيع احلال الواردات، وتشجيع الصادرات الصناعية، وتشجيع الصناعات الثقيلة والكيماوية، وتحرير الاقتصاد الكوري:
1- الدور المحورى للدولة فى عملية التنمية الاقتصادية:
فى شهر مايو من عام 1961م أطاح الجنرال Park Chung Hee برئيس الدولة المنتخب «يون بو- صن Yun Po-sun». أراد الجنرال Park تحويل كوريا الجنوبية من بلد زراعى متخلف الى دولة صناعية حديثة، التى توفر العيش الكريم لمواطنيها، بينما تكون قادرة فى نفس الوقت على الدفاع عن نفسها ضد أى عدوان خارجي.
وقررت إدارة الرئيس Park بأن الحكومة المركزية يجب أن تلعب الدور الرئيسى فى عملية التنمية الاقتصادية لأنه لا توجد أى مؤسسة كورية جنوبية أخرى لديها القدرة أو الموارد لقيادة مثل هذا التغيير القوى فى مدة قصيرة، كما كان يأمل الرئيس «بارك». كما اعتبرت التنمية بمثابة الدرع الواقية من الخطر القائم فى الشمال، ولذا لم تمض الا فترة وجيزة على الانقلاب، بعدها تم استحداث هيئات ومؤسسات جديدة لقيادة مسيرة التنمية ابرزها كان مجلس التخطيط الاقتصادى Economic Planning Board الذى اوكلت اليه مهمة ادارة وتخطيط بناء الاقتصاد الوطني، كما تم تكليفه بمهمة الاشراف والتنسيق بين الوزارات التى تلعب دورا فى الحياة الاقتصادية.
وشمل النظام الاقتصادى الناشئ عناصر من كل من رأسمالية الدولة والاقتصاد الحر State capitalism and free enterprise، وهيمن على الاقتصاد حينها مجموعة من التكتلات الخاصة الكبيرة Chaebols والعاملة فى مجالات – صناعة الحديد والفولاذ، الاتصالات، الاسمدة، المواد الكيمياوية، والصناعات الثقيلة الأخرى. ووجهت الحكومة الصناعات فى القطاع الخاص من خلال تحقيق اهداف الإنتاج والتصدير المتتابعة، واستخدام الرقابة على الائتمان، واستخدام وسائل غير رسمية من الضغط والإقناع، والسياسات النقدية والمالية.
لقد سعت الدولة الى السيطرة على السوق وتوجيه بما يساعد على انجاز الاهداف التى كانت تسعى الى تحقيقها، وفى اقصر وقت ممكن. وقد تدخلت الدولة بشكل مباشر فى الحياة الاقتصادية بغرض دفع الاستثمار والصناعات والصادرات فى المسارات المرغوبة من خلال التدخلات الانتقائية التى تركز على صناعة بعينها او قطاع بذاته، ومن خلال تقييد المنافسة او منعها، كلما وجدت مصلحة فى ذلك التقييد لتسريع وتائر الانتاج او تنمية الصادرات.
ومن جهة ثانية، وفى سعيها لدعم القطاع الخاص وتعظيم مساهمته فى النمو الاقتصادى تصرفت الدولة ليس باعتبارها التابع للقطاع الخاص، بل باعتبارها السيد والخادم لهذا القطاع.
وقد تم ذلك من خلال التحكم فى قوى السوق بطرق مختلفة كى تضمن الدولة ان سعى المنشآت الاقتصادية لتحقيق مصلحتها الخاصة لا يتناقض مع المصلحة العامة، وبذلك حلت «اليد المرئية» للدولة the visible hand محل «اليد الخفية» the invisible hand لقوى السوق.
لقد بلغ تدخل الدولة فى كوريا الجنوبية حدا لم يسبق له مثيل فى توجيه مسار التنمية الاقتصادية، مما جعل بعض الاقتصاديين يصفونه بأنه العامل الأكثر أهمية عن غيره فى صنع النجاح التنموى لهذه الدولة، ويصفون التنمية التى تحققت فى هذه الدولة بانها كانت تنمية بقيادة الدولة لا بقيادة السوق!
2. المشاركة الشعبية:
من العوامل التى ساهمت فى النجاح الصناعى فى كوريا أن الخطط الصناعية الحكومية تلقى مساندة من القطاع الخاص وتجاوبًا من الشعب بمختلف فئاته. فقد ساعد تأسيس مجالس المشاركة الشعبية بواسطة معهد التنمية الكورى على إيجاد أطر مؤسسية للمشاركة الشعبية، ولعب هذا المعهد دورًا رائدًا فى تنظيم الملتقيات العامة بمشاركة رؤساء الاتحادات الصناعية والعمالية والأحزاب السياسية بما فيها المعارضة والعلماء المتخصصون وممثلو الهيئات الأهلية. وكانت تلك الملتقيات سببًا فى الوصول إلى خيارات سياسية واقتصادية مقبولة من الجميع. هذا إلى جانب مهمة المعهد الأساسية فى إعداد أبحاث التنمية والتطوير لمساندة الحكومة فى تصميم ووضع السياسات التنموية والصناعية.
3. التكتلات الصناعية:Chaebols
عملت الحكومة الكورية فى مطلع الستينيات على تكوين مجموعة من المؤسسات الصناعية تسمى «الـ Chaebol »، وذلك كقاعدة للتصنيع السريع وتحقيق التنمية الاقتصادية. وتعتبر الـ« Chaebol » مجموعة من الشركات التى تملكها وتديرها عائلة تسيطر على صناعات معينة، بحيث تحتكر تلك الصناعة.
وتقدم الحكومة تسهيلات تمويلية عند معدلات فائدة منخفضة التكلفة، وتطلب من التكتلات اتباع الاستراتيجيات القومية للتنمية الصناعية القائمة على التصنيع الموجه للتصدير. وبذلك أوجدت الحكومة حافزًا هيكليًا لتكتلات الـ Chaebol بالاعتماد على البنوك الحكومية فى توفير التمويل اللازم. ونظرًا لما تتمتع به الـ Chaebol من هياكل صناعية كبيرة ومتنوعة فى المجالات الصناعية، إلى جانب سهولة الحصول على المزايا الائتمانية فإن الصناعة الكورية تكسب حصة كبيرة من السوق العالمية وتستطيع بجدارة أن تعوض الخسارة فى أى شركة فرعية من خلال أرباح الشركات الفرعية الأخرى. كما أن قيام مجموعات الـ Chaebol ساعد فى إيجاد مجموعة من رجال الأعمال والمستثمرين المحليين ارتكزت على أيديهم النهضة الصناعية.
4. تعبئة الموارد البشرية:
شهدت كوريا استقرارًا سياسيًا نتج عنه حكومة ذات برنامج طموح للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وحرصت هذه الحكومة الوطنية على شحذ همة قوة العمل ورفع كفاءتها الإنتاجية بالتعليم والتدريب والتأهيل الفني….ان التطور الصناعى فى كوريا كان يستند الى التركيز على دعم التعليم وتطويره، وتحسين مدخلاته إلى جانب الاهتمام بتنمية الموارد البشرية، وتأهيل وتدريب العمالة…واليوم تتميز كوريا بأيدٍ عاملة تنافسية من حيث التكلفة، والانتاجية عالية المهارة، والانضباط فى الأداء، كما تتصف بالالتزام والمثابرة والإخلاص وحب العمل…
لقد أصرت كوريا الجنوبية على أن تحول نفسها من واحدة من أفقر دول العالم إلى قوة اقتصادية كبرى؛ وما نطلق عليه اليوم المعجزة الكورية، ليس إلا تعبيرًا الا عن مدى الجهد والإرادة التى قام بها هذا الشعب، فما حدث ليس عملاً خارقًا، ولكنه حصيلة جهد ومثابرة وصبر وإصرار لم يسبق له مثيل!.. ولا شك أن التجربة الكورية ما كان يقدر لها ان تقوم بدون الدور الخاص والمركزى الذى لعبته الدولة فى عملية التنمية الاقتصادية…
وللحديث بقية عن العوامل الخارجية..
وما نبغى إلا إصلاحا..

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية

نرشح لك


https://www.alborsanews.com/2017/01/05/954031