هانى أبوالفتوح يكتب: سنة أولى «تعويم»


مرت سنة على قرار البنك المركزى المصرى فى نوفمبر الماضى بتحرير سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية، والذى يعرفه العامة بـ«التعويم»، ورغم قناعتى بصحة القرار على الرغم من الأضرار البالغة التى كان من الممكن تخفيف حدتها لو أن هذا القرار قد تم اتخاذه فى منذ سنوات، إلا أنى أدرك تماماً أنه كان بمثابة العملية الجراحية الخطيرة لإنقاذ مريض من موت محقق، كما أنى أشارك السواد الأعظم من المواطنين فى دفع الفاتورة الباهظة لهذا القرار التى تمثلت فى ارتفاع جنونى فى الأسعار بدون فاعلية لضبط الأسعار فى الأسواق، والممارسات الاستغلالية التى فرضها بعض المستوردين ورجال الأعمال والتجار والحرفيين وغيرهم، يبقى السؤال؛ هل أفاد قرار التعويم الاقتصاد أم كان قرار خاطئ أثرى البعض على حساب معاناة الطبقة المتوسطة وفئات محدودى الدخل؟
على الصعيد الاقتصادى، لم يبتدع البنك المركزى المصرى تنفيذ قرار تعويم الجنيه المصري، فبين الحين والآخر نسمع عن دول تسعى أو نفذت بالفعل تعويم عملتها المحلية كخطوة على طريق الإصلاح الاقتصادى وتجاوز الأزمة، فقد حررت دول عدة عملتها مثل الصين والهند والبرازيل والأرجنتين وماليزيا، وتعتزم المغرب تعويم سعر صرف الدرهم المغربي.
والتعويم هو ترك سعر صرف العملة المحلية محررا بشكل كامل، بحيث لا يتدخل البنك المركزى أو الحكومة فى تحديد سعر الصرف بينما يتم تحديده مقابل العملات الأجنبية من خلال آلية العرض والطلب.
شأنه شأن أى قرار اقتصادى، أثر تحرير سعر صرف الجنيه إيجابيًا فى عدة جوانب بينما تحمل المواطن التبعات الصعبة، وتأثرت قطاعات بعينها بصور متفاوتة، وسوف نعرض فيما يلى موجزاً لأهم التأثيرات الإيجابية والسلبية على أمل أن يكون العرض محايداً فى تقييم قرار التعويم بعد مرور عام على إصداره.
تعددت الأثار الإيجابية لقرار تحرير سعر الصرف، ومنها:
• الحصول على قرض من صندوق النقد الدولى بقيمة 12 مليار دولار، بعد تنفيذ عدة إجراءات إصلاحية منها تعويم الجنيه، بالإضافة إلى دعم من البنك الدولى بقيمة 3 مليارات دولار و1.5 مليار دولار من بنك التنمية الأفريقى للتنمية.

• زيادة احتياطى النقد الأجنبى لأعلى مستوياته منذ ثورة 25 يناير 2011 ليصل إلى 36.53 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2017 مقابل 19.58 مليار دولار فى نهاية سبتمبر 2016، أى أن الاحتياطى قد ارتفع بمقدار 16.95 مليار دولار بمرور سنة. وتجدر الإشارة إلى أن رصيد الاحتياطى قد تراجع بشدة إلى أدنى مستوياته فى نهاية عام 2015، حيث وصل إلى 16.42 مليار دولار.
• توفير 28 العملة الأجنبية لتمويل التجارة الخارجية واختفاء قوائم الانتظار فى البنوك.
• ارتفاع الصادرات المصرية خلال الربع الأول من عام 2017، مقارنة بنفس الفترة من عام 2016، حيث سجلت 5.519 مليار دولار مقابل 4.788 مليار دولار بزيادة نسبتها 15.3%.
• انخفاض عجز الميزان التجارى بقوة (وهو الفرق بين الصادرات والواردات)، حيث هبط بمقدار 74% على أساس سنوى فى أغسطس الماضى، مع انخفاض الواردات بنسبة 50% على أساس سنوى إلى 3.041 مليار دولار، وزيادة الصادرات غير البترولية 12% لتصل إلى 1.912 مليار دولار.
• إعادة الثقة فى الاقتصاد المصرى من المؤسسات الدولية والمستثمرين، فقد بلغ إجمالى استثمارات الأجانب فى السندات والأذون الحكومية إلى 15 مليار دولار فى الفترة من نوفمبر 2016 حتى سبتمبر 2017، بالإضافة إلى تجديد ما يقرب من 2.7 مليار دولار فى اتفاق مبادلة العملة مع الصين، القضاء على السوق السوداء وجذب البنوك المصرية لمبيعات عملة أجنبية تقدر بنحو 19.2 مليار دولار.
• زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج حيث ارتفع إجمالى تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال شهر أغسطس 2017 بمعدل 40% بمقدار 1.7 مليار دولار مقابل 1.2 مليار دولار فى شهر أغسطس 2016.
• ارتفاع صافى تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر بنسبة 9.6% منذ تنفيذ قرار التعويم، حيث تقدر هذه النسبة بنحو 14.5% خلال العام المالى 2016-2017.
• تخفيف البنوك المصرية القيود على حدود السحب والمشتريات من بطاقات الخصم والائتمان بالخارج بعد زيادة موارد النقد الأجنبى.
• ارتفاع مؤشر البورصة الرئيسى لأعلى مستوى فى تاريخه فى نهاية شهر أكتوبر الجارى بسبب توافر العملة الأجنبية وتخفيف القيود على تحويل أرباح الشركات.
• ارتفاع إيرادات السياحة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالى إلى 5.2 مليار دولار، بارتفاع نسبته 205%، مقارنة بنفس الفترة من عام 2016 والتى سجلت 1.7 مليار دولار لتسجل نفس معدلات عام 2015 قبل أزمة السياحة الروسية.
• زيادة الطلب على سوق العقارات المصرية من المصريين المقيمين بدول مجلس التعاون الخليجى ومواطنى الدول الخليجية لانخفاض قيمة العقارات بعد التعويم بنسب تتراوح بين 30% و40%.
إلا أن قرار تعويم الجنيه ترك آثاراً سلبية منها:
• ارتفاع مستوى التضخم الذى بلغ ذروته ليصل إلى 35% على أساس سنوى فى شهر يوليو 2017 مقابل 13.56% فى أكتوبر 2016 قبل صدور قرار التعويم، وهى النسبة الأعلى منذ 31 عامًا.، ونتيجة للتضخم ارتفعت أسعار معظم السلع بصورة كبيرة وخصوصاً السلع الغذائية، ونتج نقص فى بعض السلع، كما خسر المواطن المصرى نصف القوة الشرائية لمدخراته نتيجة لانخفاض سعر الجنيه بمعدل النصف تقريباً.
• تحقيق بعض الشركات الكبرى لخسائر بسبب فروق العملة وإعادة تقييم الأصول والالتزامات النقدية.
• زيادة أعباء الدين العام وفوائد، حيث من المتوقع وفقا لتصريحات وزارة المالية أن ترتفع فوائد الدين العام خلال العام المالى الحالى بنحو 30 مليار جنيه نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة خلال الفترة الماضية، لتصل إلى 410 مليارات جنيه بدلاً من 380 مليار جنيه كانت تستهدفها فى مشروع الموازنة لذات العام المالى.
• زيادة تكلفة دعم السلع البترولية والتموينية.
• زيادة أسعار التعاقدات وعقود المقاولات للمشروعات الاستثمارية.
• زيادة تكاليف الإنتاج فى الصناعات وخصوصاً التى تعتمد على مكونات مستوردة.
الخلاصة أن بعد هذا العرض أرى أن إيجابيات قرار تحرير سعر الصرف قد حقق بشكل عام نتائج طيبة، غير أنه لا يمكن تجاهل الأثر العنيف للتضخم الذى نتج عنه زيادة معاناة الأسر المصرية، خاصة فى الطبقتين المتوسطة والفقيرة.
ومع التسليم، بأن لكل قرار اقتصادى تبعات يجب تحملها حتى يتم تحقيق الأهداف المرجوة، إلا أن عبئ تحمل تلك التبعات لا يجب أن يكون على عاتق المواطن وحده دون أن تشاركه الحكومة فى تخفيف الأعباء وترشد انفاقها وتدعم شبكات الأمان الاجتماعى لصالح الأسر الفقيرة ومحدودى الدخل.

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية



نرشح لك


https://www.alborsanews.com/2017/11/02/1062075