إيمان رياض تكتب: صفقات بيع الشركات وأثرها على عقود الموظفين وفقًا لأحكام القانون المصري


طالعتنا الصحف في الأسابيع الماضية بخبر تعثر صفقة بيع البنك الأهلى اليونانى مصر لبنك عوده بسبب عدم التوصل إلى اتفاق مع موظفي البنك بشأن المكافآت والمستحقات التي يتمسكون بها استنادا للمادة 122 من قانون العمل وهو الأمر الذي أدى إلى إرجاء البنك المركزي إصدار موافقته على الصفقة لحين التوصل إلى اتفاق مع الموظفين.

والحقيقة أن هذه المشكلة كثيرة الوقوع وتتكرر مع كل صفقة تتعلق بانتقال منشأة أو مشروع اقتصادي سواء عن طريق بيع أصوله أو اندماجه أو الإيجار أو غير ذلك من التصرفات القانونية.

فما هو حكم القانون المصري في هذه المسألة؟ هل يجب إخطار الموظفين أو الحصول على موافقتهم قبل إبرام الصفقة؟ هل تستمر عقود العمل أم تنتهي فى هذه الحالات؟ وهل يجب سداد أي مكافآت أو تعويضات ؟ كلها تساؤلات متكررة سنحاول الإجابة عنها في عجالة في السطور القليلة التالية.

استمرار عقود العمل (بقوة القانون) في حالات بيع المنشأة

سلك القانون المصرى مسلكًا متطورًا فى شأن أثر انتقال المنشأة على عقود الموظفين يتماشى مع قوانين العمل فى معظم دول العالم المتقدم؛ حيث نصت الفقرة الثانية من المادة (9) من قانون العمل المصرى رقم 12 لسنة 2003 على أنه “لا يترتب على إدماج المنشأة فى غيرها أو انتقالها بالإرث أو الوصية أو الهبة أو البيع … أو النزول أو الإيجار أو غير ذلك من التصرفات إنهاء عقود استخدام عمال المنشأة. ويكون الخلف مسئولا بالتضامن مع أصحاب الأعمال السابقين عن تنفيذ جميع الالتزامات الناشئة عن هذه العقود”.

وبهذا النص حسم المشرع المصرى صراحة الأمر وقرر مبدأ استمرارية عقود العمل – بقوة القانون – فى حالات انتقال المنشأة من صاحب عمل لآخر لأى سبب كان سواء بيع أصول أو اندماج أو ايجار أو غير ذلك من التصرفات القانونية. وتعمل المادة (9) كوسيلة لضمان استقرار الموظفين فى اشغالهم والتأكيد على مبدأ الفصل بين شخصية المنشأة (ككيان قانونى مستقل) وشخصية مالكيها، ليبقى الموظف مرتبطًا بالمنشأة ذاتها (كمشروع اقتصادى) وليس بشخص صاحب العمل وتظل عقود العمل قائمة وسارية بقوة القانون دون الحاجة إلى رضاء طرفى الصفقة (البائع والمشترى) أو موافقة الموظفين.

وإمعانًا في حماية الموظفين وضمانًا لاستقرار أوضاعهم المالية قرر المشرع تضامن صاحب العمل الجديد (المشتري) وصاحب العمل القديم (البائع) في الالتزام بكافة حقوق الموظفين المكتسبة خلال الفترة ما قبل بيع المشروع بحيث لا يكون انتقال المنشأة سببًا في ضياع حقوق الموظفين التى سبق وأن تقررت لهم. ويتمتع الموظفين بهذه الضمانة بقوة القانون وبغض النظر عن بنود الاتفاق بين البائع والمشتري.

وقد استقرت أحكام القضاء المصرى على التأكيد على حق الموظفين فى الاستمرار فى الحصول على كافة المزايا والحقوق التى كانوا يتمتعون بها قبل إبرام صفقة البيع، بما فى ذلك استمرار سريان عقود العمل الفردية والجماعية بذات الشروط والأحكام، وكذلك الاحتفاظ بكافة الحقوق الأخرى من أقدمية وسنوات خدمة وأجور (ثابتة ومتغيرة) وأرصدة إجازات وجميع المزايا الإضافية الأخرى.

لا مجال فى ضوء المادة (9) لسداد تعويضات أو تسويات للموظفين

إذا كان بيع المنشأة لا يترتب عليه إنهاء عقود العمل، وإذ ألزم القانون صاحب العمل الجديد بالاستمرار في تنفيذ تلك العقود وضمان الحقوق المكتسبة للموظفين، فإنه يصبح بالتالي لا مجال للمطالبة بسداد أي تعويضات أو مكافآت نهاية خدمة للموظفين استنادا لنص المادة 122 من قانون العمل الخاصة بحالات الانهاء التعسفى، حيث لا يوجد إنهاء لعقود العمل – بل على العكس – يوجد التزام صريح باستمرار عقود العمل بقوة القانون فى هذه الحالة.

كذلك لا مجال لاستدعاء تطبيق نصوص المواد من 196 إلى 201 المتعلقة بتسريح الموظفين لغلق المنشأة (كليًا أو جزئيًا) لأسباب اقتصادية؛ حيث إن تلك المواد تعالج حالة مختلفة تماما وهى حالة إنهاء عقود العمل نتيجة لأزمة مالية تمر بها المنشأة مما يستتبع ذلك من تسريح للموظفين. أما بيع المنشأة فعلى العكس من ذلك عادة ما يأتي في إطار صفقات تجارية تهدف إلى استمرار المشروع الاقتصادي وتطويره وتوسعته وليس تقليصه أو غلقه وغالبًا ما يسعى المشتري إلى الاحتفاظ بالعاملين كثروة بشرية تمثل عنصرا هاما من عناصر المشروع المستحوذ عليه.

عدم اشتراط القانون الحصول على موافقة الموظفين بشأن بيع المنشأة

لم يضع القانون المصرى أى التزام على أصحاب الأعمال بإخطار الموظفين أو ممثليهم أو التشاور معهم بشأن صفقات بيع المشروعات او اندماجها وذلك على عكس الوضع فى بعض القوانين الأخرى مثل القانون الانجليزى.

كما لم يمنح القانون المصري الموظفين الحق في الاعتراض على بيع المشروع، بل على العكس من ذلك – كما سبق وأشرنا – أكد المشرع المصري على استمرار عقود العمل مع المشترى بنفس شروطها وأحكامها بقوة القانون.

بالتالي فإن من يرفض من الموظفين الاستمرار فى العمل بالمشروع بسبب انتقاله بالبيع إلى صاحب عمل جديد يعتبر مستقيلا بإرادته المنفردة دون أى التزام على البائع او المشترى بسداد مكافآت أو تعويضات طالما أنه تم العرض على الموظف الاستمرار في عمله مع الاحتفاظ بكافة حقوقه عن الفترة السابقة.

وبالتالي فإن الحديث عن التشاور مع الموظفين واستبيان ارائهم ومنحهم الخيار بين إنهاء عقود عملهم وتسوية مستحقاتهم عن الفترة السابقة وبين الاستمرار في العمل بالمنشأة مع صاحب العمل الجديد ليس له أي أساس قانوني كما أنه يفتح بابًا للتفاوض والمطالبة بسداد مكافآت وتعويضات غير مستحقة قانونًا.

والأنسب فى هذه الحالات أن يقوم صاحب المنشأة بالاعلان داخليًا – وبشكل عام دون تفصيل – بشأن احتمالية بيع المنشأة أو دمجها والقيام بطمئنة الموظفين بالتعهد باستمرار عقودهم فى حالة اتمام الصفقة وعدم المساس بأي من حقوقهم المكتسبة، وذلك دون فتح المجال للتفاوض بشأن سداد تعويضات أو مكافآت حيث إنه لا يوجد إنهاء للخدمة كما أوضحنا. وإن كان هناك مجالا للنقاش بين صاحب العمل والموظفين فإنه يكون بشأن تأكيد استمرار عقودهم ووضع ضمانات لعدم الإخلال بحقوقهم المكتسبة.

المشكلات العملية في نقل الموظفين إلى الملف التأميني لصحاب العمل الجديد

وبالرغم من وضوح نص المادة (9) وتأكيدها على استمرار موظفى المشروع فى وظائفهم وانتقال عقودهم بقوة القانون إلى صاحب العمل الجديد في حالات بيع المنشأة، إلا أن الواقع العملى أثبت صعوبة تنفيذ هذا الانتقال في مكاتب التأمينات الاجتماعية، فلا توجد آلية أو إجراء محدد لنقل اشتراكات وتسجيلات التأمينات الاجتماعية الخاصة بالموظفين إلى الملف التأميني الخاص بمشترى المنشاة (صاحب العمل الجديد) بشكل تلقائى.

فمكاتب الهيئة العامة للتأمين الاجتماعى عادة ما تطلب تحرير استقالة واستمارة (6) لكل موظف لإنهاء علاقته بصاحب العمل القديم ثم تحرير عقد عمل جديد واستمارة (1) مع صاحب العمل الجديد، وهو الأمر الذى يترك أثرًا سلبيا في نفوس الموظفين حيث تثار مخاوفهم بشأن انقطاع مدة تأميناتهم وحقوقهم المكتسبة خلال فترة العمل السابقة مع صاحب العمل القديم. وهنا عادة ما تضطر الشركات إلى الدخول في مفاوضات ومناقشات طويلة مع الموظفين لطمئنتهم والتعهد بإبرام عقود عمل جديدة معهم في ذات تاريخ تقديم الاستقالة حتى لا تنقطع مدة تأميناتهم وضمان احتفاظهم بكافة حقوقهم المكتسبة.

وبهذا يعد طلب تحرير استقالة وتوقيع استمارة (6) تأمينات من أحد المسببات الرئيسية للخلط بين حالات إنهاء علاقة العمل وما يستتبعها من وجوب سداد تعويضات ومكافآت نهاية خدمة للموظفين وحالات بيع المنشأة وما يستتبعها من استمرار عقود العمل وانتقالها بقوة القانون دون تعويضات أو تسويات.

فقد شهد الواقع العملي حالات عديدة يقوم فيها الموظفون باستغلال هذا الخلط لرفض تحرير الاستقالة أو توقيع استمارة (6) والمساومة للحصول على تعويضات أو مبالغ غير مستحقة قانونًا، وهو ما دفع بعض الشركات لإبرام اتفاقيات عمل جماعية مع النقابة العمالية المختصة لتسوية هذه المسألة. فعلى سبيل المثال، أبرمت اتفاقية عمل جماعية بين شركة النيل للمحاصيل الزراعية والنقابة العامة للعاملين بالصناعات الغذائية فى 2016 بمناسبة انتقال القطاع الصناعي واستقلاله فى شركة أخرى. وقد نصت بنود الاتفاقية على استمرار سريان عقود العمل مع الشركة الجديدة واستمرار تقاضي الموظفين لكافة أجورهم ومستحقاتهم والمزايا الناشئة عن هذه العقود. كما نصت الاتفاقية على التزام الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى بنقل العاملين إلى الشركة الجديدة دون تحرير استمارات (1) أو (6) لكل عامل.

وكنا قد ناشدنا هيئة التأمين الاجتماعي بضرورة اصدار نماذج خاصة بتحويل مدة المؤمن عليهم نتيجة بيع المنشأة؛ بحيث يتضمن هذا النموذج بيانات المؤمن عليه، وبيانات المنشأة البائعة والمنشأة المشترية، وتاريخ بدء اشتراك العامل فى التأمينات الاجتماعية مع المنشأة البائعة بحيث يستفيد الموظفين من كامل مدتهم التأمينية دون أى انقطاع، هو الأمر الذي سيزيل اللبس الواقع دومًا بين إنهاء عقود العمل وبين انتقالها وفقًا للمادة (9) من القانون.

بقلم: الدكتورة / إيمان صلاح الدين رياض
شريك بمكتب رياض ورياض للمحاماة والاستشارات القانونية
عضو هيئة تدريس بقسم قانون العمل والتأمينات الاجتماعية – كلية الحقوق جامعة القاهرة

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

مواضيع: قانون العمل

منطقة إعلانية

نرشح لك


https://www.alborsanews.com/2019/11/07/1263030