منطقة إعلانية

منطقة إعلانية



«فاينانشيال تايمز»: «كورونا» يقود أزمة الديون المقبلة


تتزامن الصدمة التى أحدثها فيروس كورونا المميت فى الأسواق العالمية، مع خلفية مالية خطيرة تتميز بديون عالمية متصاعدة، والمغزى من هذا الأمر، أنه إذا استمر تفشى الفيروس، فإن أى هشاشة فى النظام المالى يمكن أن تؤدى إلى أزمة ديون جديدة.

ووصل الدين العالمى مقابل الناتج المحلى الإجمالى، إلى أعلى مستوياته على الإطلاق، إذ سجل نسبة تزيد على %322 الربع الثالث من العام الماضى، ووصل إجمالى الديون إلى نحو 253 تريليون دولار، وفقاً لمعهد التمويل الدولى.

على المدى القصير، سيكون وضع أسواق الائتمان حرجاً، فرغم تراجع عائدات السندات وتكاليف الاقتراض منذ أن شعرت الأسواق بالقلق، فقد شُددت الظروف المالية بالنسبة للشركات المقترضة الأضعف، كما أن إمكانية دخولها أسواق السندات أصبح أكثر صعوبة.

وقال تشارلز دوماس، كبير الاقتصاديين فى مؤسسة «تى إس لومبارد»، إن انعكاس منحنى العائد قد يزيد من حدة الضغط، إذا شددت البنوك الأمريكية الآن، الائتمان، فى الوقت الذى يصبح فيه الإقراض أقل ربحية.

ذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، أن هذا الأمر هام للغاية، لأن قطاع الشركات غير المصرفية شهد الكثير من تراكم الديون منذ الأزمة المالية العالمية، ويدل الاضطراب الحالى فى سلاسل الإمداد والنمو العالمى المنخفض على انخفاض الأرباح وصعوبة أكبر فى خدمة الديون، وفى الواقع، يثير فيروس كورونا، الاحتمال غير العادى لحدوث أزمة ائتمانية فى عالم يتسم بمعدلات الفائدة المنخفضة للغاية والسلبية.

وأعرب واضعو السياسات فى الدول المتقدمة، عن استعدادهم لمتابعة استجابة مالية ونقدية نشطة للاضطرابات الناجمة عن الفيروس المميت، ومع ذلك، ينطوى هذا النشاط السياسى على مخاطر طويلة الأجل تتمثل فى ترسيخ السياسة النقدية المختلة التى ساهمت فى الأزمة المالية الأصلية، فضلاً عن تفاقم أعباء الديون الخطيرة التى يواجهها الاقتصاد العالمى الآن.

الديون العالمية

وقد شيدت المخاطر فى النظام المالى منذ عقود، إذ أجرت البنوك المركزية، خصوصاً البنك الاحتياطى الفيدرالى، ما أصبح يعرف باسم «السياسة النقدية غير المتكافئة» منذ أواخر الثمانينيات، لتدعم الأسواق عند هبوطها، ولكنها فشلت فى تهدئتها عندما كانت عرضة للفقاعات، لذا كانت المخاطرة المفرطة فى العمل المصرفى نتيجة طبيعية.

وفى الواقع، يعتبر التسهيل الكمى للبنوك المركزية منذ الأزمة المالية، والذى ينطوى على شراء سندات حكومية وغيرها من الأصول، استمراراً لهذا النهج غير المتكافئ، كما أن السياسة المتساهلة المستمرة تسببت فى نفقات القطاع الخاص الممولة بالديون، مما أدى إلى إطالة دورة طويلة الأمد بالفعل، والتى تبدو فيها أسعار الفائدة المنخفضة أو السلبية غير العادية، أقل وأقل فاعلية فى تحفيز الطلب.

وقال الرئيس السابق لقسم النقد والاقتصاد فى بنك التسويات الدولية، ويليام وايت، وهو أحد الاقتصاديين القلائل الذين توقعوا الأزمة المالية، إن التجربة العظيمة اللاحقة فى السياسة النقدية الفضفاضة شديدة الخطورة.

ويرجع السبب فى ذلك إلى أن سياسات البنك المركزى غير التقليدية، ربما تمهد ببساطة لمرحلة الطفرة والركود التالية، والتى تغذيها معايير الائتمان المتراجعة باستمرار وتراكم أعباء الديون، ومن المؤكد أن مقارنة الظروف الراهنة بالفترة السابقة للأزمة المالية العالمية، تعتبر أمراً مفيداً، فبجانب ارتفاع الديون الحكومية بشكل كبير بعد الأزمة، هناك فرق مهم الآن، هو أن تركيز الدين فى القطاع الخاص ليس على إقراض الرهن العقارى والعقارات فقط.. بل على القروض لقطاع الشركات أيضاً.

وأوضح تقرير صدر مؤخراً عن منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، ارتفاع السهم العالمى المستحق لسندات الشركات غير المالية إلى أعلى مستوياته على الإطلاق عند 13.5 تريليون دولار فى نهاية ديسمبر الماضى، أى ضعف المستوى بالقيمة الحقيقية، مقارنة بديسمبر 2008، ولكن الارتفاع أكثر لفتاً للنظر فى الولايات المتحدة، إذ قدر «الاحتياطى الفيدرالى» ارتفاع ديون الشركات من 3.3 تريليون دولار قبل الأزمة المالية إلى 6.5 تريليون دولار العام الماضى.

وبالنظر إلى احتفاظ الشركة الأم لجوجل «ألفابت»، و«أبل»، و«فيسبوك»، و«مايكروسوفت»، بصافى نقد قيمته 328 مليار دولار فى نهاية العام الماضى، فإن هذا الأمر يشير إلى أن معظم الدين يتركز فى قطاعات الاقتصاد القديم، حيث تعانى العديد من الشركات من انخفاض الإنتاجية، مقارنة بالشركات التكنولوجية الكبرى.

ويعد التحول إلى مديونية الشركات، أقل خطورة على النظام المالى من الطفرة السابقة فى قروض الرهن العقارى عالية المخاطر، لأن البنوك التى تعتبر هشة بطبيعتها بسبب اقتراضها لفترة قصيرة وإقراضها لفترة طويلة، ليست معرضة بشدة لديون الشركات مثل المستثمرين، كشركات التأمين وصناديق التقاعد وصناديق الاستثمار والصناديق المتداولة المتتبعة للمؤشرات.

ومع ذلك، لا يمكن للبنوك تجنب عواقب الانهيار الأوسع فى الأسواق، حال استمرار فقدان ثقة المستثمرين أو ارتفاع أسعار الفائدة عن المستويات المنخفضة غير العادية الحالية، فمثل هذه النتيجة قد تؤدى إلى زيادة التخلف عن سداد قروض البنوك، إلى جانب تقلص قيمة الضمانات فى النظام المصرفى.

وأوضحت الصحيفة، أن أسعار الأصول قد تكون عرضة للتأثر حتى بعد ذعر فيروس كورونا، لأن مشتريات أصول البنوك المركزية دفعت المستثمرين للبحث عن عائد بغض النظر عن المخاطر، ونتيجة لذلك، لاتزال المخاطر تسعر بشكل منهجى من أجل النظام المالى.

ويشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، إلى أنه مقارنة بالدورات الائتمانية السابقة، تتمتع سندات الشركات فى الوقت الراهن بجودة ائتمانية أقل واستحقاقات أطول وشكل أقل من الحماية الواردة فى العهد- أى حقوق حامل السندات مثل القيود المفروضة على الاقتراض فى المستقبل أو مدفوعات الأرباح- ومتطلبات الاسترداد الأعلى.

وترتبط آجال الاستحقاق الأطول بحساسية الأسعار للتغيرات فى أسعار الفائدة، بجانب انخفاض جودة الائتمان، مما يجعل أسواق السندات أكثر حساسية للتغيرات فى السياسة النقدية. كما أن التقلبات الحالية تتفاقم فى السوق بسبب انسحاب البنوك من اﻷنشطة السوقية استجابة لمتطلبات كفاية رأس المال الأكثر صرامة منذ الأزمة.

وحال التباطؤ الاقتصادى، قد ينتهى المطاف بانخفاض الإصدار الكبير غير المتكافئ من سندات فئة الـ BBB، وهى سندات ذات أقل تصنيف استثمارى، مما قد يؤدى إلى زيادات كبيرة فى تكاليف الاقتراض لأن العديد من المستثمرين مقيدين بالتنظيم أو القيود المفروضة ذاتيا من الاستثمار فى السندات غير الاستثمارية.

وأفادت «فاينانشيال تايمز»، أن التدهور فى جودة السندات، يلفت النظر بشكل خاص فى السوق العالمية نحو القروض المقدمة لشركات مثقلة بالديون، أو الشركات ذات التصنيفات الائتمانية الضعيفة والبالغ قيمتها 1.3 تريليون دولار.

وبلغت الإصدارات الجديدة فى هذا القطاع رقما قياسيا جديدا يقدر بـ 788 مليار دولار فى عام 2017، أعلى من الذروة البالغة 762 مليار دولار قبل الأزمة المالية، واستحوذت الولايات المتحدة على 564 مليار دولار من إجمالى هذه القيمة.

ارتفاع ديون الشركات

وساهمت عمليات الدمج والاستحواذ وإعادة شراء اﻷسهم، فى تمويل كثير من هذه الديون، وبشكل عام، من المحتمل أن يؤدى هذا التراكم الهائل لديون الشركات ذات الجودة المتدنية، إلى تفاقم الركود المقبل، وعززت السياسة النقدية الفضفاضة للبنوك المركزية، ما يسميه خبراء الاقتصاد «قصر نظر تجاه الكارثة» أو التساهل وهو شرط أساسى للأزمات المالية.

فالقدر اﻷكبر من التساهل فى الوقت الراهن، يمكن أن يظهر فى التضخم وإمكانية تسبب البنوك المركزية فى صدمة مالية، من خلال رفع أسعار الفائدة فى وقت أقرب مما يتوقعه معظم الناس.

وأوضحت الصحيفة البريطانية، أن قصر النظر تجاه الكارثة مفهوم، ولم ينجم بسبب تفشى فيروس كورونا فقط، ومنذ الأزمة المالية، عانت الاقتصادات المتقدمة المثقلة بالديون من نقص الطلب، لتبدأ من هنا الصعوبات الأخيرة التى واجهتها البنوك المركزية فى تحقيق أهداف التضخم.

وفى الوقت نفسه، لم يؤد تشديد أسواق العمل إلى زيادة الأجور، مما دفع العديد من خبراء الاقتصاد إلى افتراض أن العلاقة التقليدية بين انخفاض معدلات البطالة وارتفاع الأسعار، قد انهارت، ومن الواضح أنه لايزال هناك دافع انكماشى للعمل فى الاقتصاد العالمى، مما يتسبب فى ضعف النمو واعتماده على الديون.

ومع صعود الشعوبية، تزداد الدعوات المطالبة بالتمويل النقدى للعجز المالى المتزايد، أى تمويل البنوك المركزية بشكل مباشر للعجز الحكومى كذلك الذى يحدث حالياً فى اليابان.

وأفادت الصحيفة أن التمويل النقدى كان مؤشراً لارتفاع معدلات التضخم، وبينما يجادل مؤيدو هذا اﻷمر بإمكانية احتواء المخاطر، بشرط تحكم البنوك المركزية المستقلة فى كمية هذا التمويل، فإن استقلال البنك المركزى أصبح مهدداً بشكل متزايد منذ الأزمة.

ويتعلق اﻷمر بالشئون الديموغرافية أيضاً، وجادل تشارلز جودهارت، من كلية لندن للاقتصاد، وفيليب إرفورث، من مورجان ستانلى، بأن أسعار الفائدة المنخفضة والسلبية ليست الوضع الطبيعى الجديد، لأن العالم على وشك التحول الديموغرافى بشكل كبير.

ومن المحتمل أن يؤدى تراجع عدد السكان العاملين، مقارنة بالسكان المتقاعدين، إلى إعادة القدرة على المساومة إلى العمل، وإلى جانب انخفاض مدخرات الأسر لأن السكان المسنين أصبحوا قدرة على الإدخار، فإن هذا اﻷمر يجعل من الحتمى تقريباً عكس أسعار الفائدة الحقيقية للاتجاه السائد حالياً والارتفاع مرة أخرى.

وهناك سؤال ملح فى ضوء تراكم الديون، وهو يدور حول ما إذا كانت الاستجابة التنظيمية للأزمة المالية الكبيرة، كافية لاستبعاد أزمة نظامية أخرى، وما إذا كانت الزيادة فى رأسمال البنوك ستوفر تحوطاً كافياً ضد الخسائر التى قد تنتج عن مخاطر التسعير واسعة النطاق.

وتأتى أهمية التاريخ هنا.. فقد كانت الفترة بين الثلاثينيات وأوائل السبعينيات هى الفترة الوحيدة فى الـ 100 عام الماضية التى كانت فيها البنوك خالية نسبياً من الأزمات، ويرجع السبب فى ذلك إلى أن الاستجابة التنظيمية للكساد الكبير فى 1929 وما تلاه من إخفاقات مصرفية كانت شديدة القسوة بحيث تحولت الأعمال المصرفية إلى أعمال منخفضة المخاطر.

وكانت الإزالة التدريجية لهذه القيود التنظيمية، التى بدأت فى السبعينيات، تمهيداً للأزمات القائمة على الممتلكات فى منتصف السبعينيات وأزمة ديون أمريكا اللاتينية فى الثمانينيات والمزيد من أزمات الممتلكات فى أوائل التسعينيات وما إلى ذلك. 

وأكدت الصحيفة، صعوبة التنبؤ بأى أزمة مالية أو توقيتها، كما أنه لا يبدو من المحتمل أن تكون الأزمة الشاملة وشيكة رغم تفشى فيروس كورونا، ولكن التراكم المحتمل غير المستدام لديون القطاع العام وديون قطاع الشركات غير المالية يسلط الضوء على مواطن الضعف الخطيرة، خصوصاً فى الصين والأسواق الناشئة اﻷخرى، وفى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أيضاً، وأوضحت أن النظام المصرفى الأوروبى القارى أضعف بشكل واضح من الولايات المتحدة.

فى ظل ذلك، يجب أن يكون الاستنتاج هو اﻷمر الذى توصل إليه الاقتصادى اﻷمريكى الراحل هيرب شتاين، والذى يفيد أنه إذا لم يستطع شىء ما الاستمرار إلى الأبد، فإنه سيتوقف.

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية

نرشح لك


https://www.alborsanews.com/2020/03/15/1307355