منطقة إعلانية

منطقة إعلانية



منطقة إعلانية





المستثمرون يخرجون من “الضباب” الحالي إلى مشهد اقتصادي ومالي غير مألوف.. بقلم محمد العريان


هناك مزحة اسكتلندية شهيرة تقول إن زائرًا لقرية وقف وسأل ساكن كيف يذهب إلى مدينة كبيرة، فنظر الساكن إلى الأعلى ويقول: “حسنا لو كنت ذاهبًا إلى هناك بالتأكيد لم أكن لأبدأ من هنا”.

وتوضح هذه المزحة البسيطة التعقيدات التي تواجه العديد من المستثمرين سواء المؤسسين أو الأفراد بمجرد أن يخرجوا من “الضباب” الحالي الذي يديرون فيه استثماراتهم وحسابات تقاعدهم أثناء أسرع حركة تصحيح في سوق الأسهم في التاريخ.

ودخلت الأسواق في صدمة فيروس “كورونا” وهي معتادة على الضخ الوفير والمتوقع للسيولة من قبل البنوك المركزية، وشجع القمع الناتج للسيولة، والانفصال اللامتناهي لأسعار الأصول المتصاعدة عن الأسس الاقتصادية المتعثرة، على المزيد من التحمل للمخاطر، واعتاد المستثمرون على ما يعرف بعنصر البنوك المركزية، واستراحوا لفكرة أن البنوك المركزية سوف تظل دائما مستعدة وقادرة على تقديم الدعم الفعال للاستثماراتهم.

ومع ذلك جاء شعور متزايد بالرضا لما يشير إليه خبراء الاستثمار إلى عوامل الأسهم والائتمان ومخاطر السيولة (أي مخاطر التدهور الحاد في مكاسب وأرباح الشركات وارتفاع في تعثر الشركات والديون السيادية وعدم القدرة على إعادة ترتيب الممتلكات) وكانت النتيجة قاعدة من المستثمرين تحملوا مخاطر مفرطة في فئات أصول تنقصها السيولة بطبيعتها.

ولم يقتصر الرضا على المستثمرين الذين هم بمثابة جانب الطلب على المنتجات الاستثمارية، وإنما أيضا أصيب جانب العرض، في البداية لمقابلة الطلب عبر أدوات بسيطة ومرنة وسائلة على ما يبدو، وكان المثال الأولي هو انتشار صناديق المؤشرات في أجزاء رئيسية من أسواق الأسهم والسندات، ثم انتقل ذلك إلى أجزاء غير سائلة من السوق مثل سندات الشركات في الأسواق الناشئة.

وقد حذرتُ لسنوات عديدة، بما في ذلك في كتابي “اللعبة الوحيدة في المدينة”، من أن كل ذلك يخاطر بجعل عالم الاستثمار معرض بشكل خاص لأي صدمة خارجية ناهيكم عن صدمة مدمرة مثل “كورونا”.

وجعل الفيروس السياسة النقدية والمالية غير فعالة حتى الآن، وأثار فترة غير مسبوقة من عدم اليقين والقلق، ودمر جانبي العرض والطلب في نفس الوقت وأرسل الاقتصاد العالمي إلى ركود عميق إن لم يكن أسوأ، وهذا يشكل انعكاساً عميقاً لهيكل السوق السائد والذي يجب أن يتكيف مع الاختفاء المفاجئ لعنصر البنوك المركزية.

وفي بيئة تذهب فيها تقييمات المستثمرين في الأسهم والائتمان من الضوء الأخضر إلى الأحمر، فإن الرغبة الناتجة لإعادة تخصيص المراكز في المحافظ الاستثمارية تحبط نتيجة نقص السيولة، كما أن القطاع نفسه أقل قدرة واستعداداً هيكلياً لتوفيرها بالنظر إلى أن قدرته على استيعاب المخاطر انخفضت بحدة نتيجة التنظيمات وتعزيز المركز المالي وإدارة المخاطر الأكثر صرامة اللاحقين للأزمة المالية العالمية في 2008.

واتضحت بالفعل نتيجة كل ذلك في الأسابيع القليلة الماضية بدءا من التقلبات الشديدة في الأسواق والتراجع الحاد في أسعار الأصول إلى انهيار أدوات تخفيف المخاطر التقليدية مع سعي بعض المستثمرين للتخلص مما يستطيعون في بحثهم عن النقدية، وهذا يفسر الهبوط المتزامن في أسعار الأصول الخطرة، مثل الأسهم، الملاذات الآمنة التقليدية الخالية من المخاطر، مثل السندات الحكومية والذهب، وكلما استمر ذلك، ازدادت احتمالات الاضطرابات في الأسواق وارتفعت مخاطر ضربة أخرى كبيرة للاقتصاد الحقيقي الذي يعاني بالفعل من الانهيار المزدج في الاستهلاك والإنتاج.

ويمكن أن تقلص التدخلات الهائلة من قبل البنوك المركزية – كما يجب – مخاطر انهيار الأسواق، ولكن البنوك المركزية سوف تكافح لوضع شبكة أمان تحت الأسواق بحيث تتعافى أسعار الأصول بشكل دائم بدون شعور المستثمرين بثقة أكبر في حلول الرعاية الصحية لاحتواء انتشار الفيروس ومعالجة الأمراض وزيادة الحصانة.

وبينما يعتمد الكثير على حدة ومدة صدمة فيروس “كورونا”، هناك بالفعل دلائل على التغير المحتمل للمشهد ما بعد الأزمة، وهو أمر أقضي وقت طويل في تحليله، ولكن بالتأكيد سوف تتأثر مخاطر أسعار الفائدة وكذلك الأسهم والائتمان والسيولة.

وأصبح من الواضح بالفعل أن الأسواق سوف تشهد زيادة كبير في العجوزات المالية وتضخم في ميزانيات البنوك المركزية وحزم انقاذ للشركات والقرارات السياسية الصعبة التي تتعلق بأي القطاعات والشركات التي يجب مساعدتها وكيفية تخصيص الدعم بين الأشخاص والموردين المختلفين لرأس المال، وكذلك ستشهد ظهور تشريعات جامعة بشأن الإجازات المدفوعة، وإعادة التفكير من قبل الشركات في تحليل التكلفة والعائد لسلاسل العرض والطلب العالمية.

وهناك فقط أربعة بنود في قائمتي لعدم اليقين بشأن المشهد الاقتصادي والمالي بعد أزمة الفيروس، وهي قائمة من الممكن أن تنمو كلما استمر التوقف المفاجئ في النشاط الاقتصادي، وهو واقع يتعين على المستثمرين التعامل معها بغض النظر من أين يبدأون.

بقلم: محمد العريان، المستشار الاقتصادي لمجموعة “أليانز”، ورئيس كلية “كوينز” جامعة “كامبريدج”.

إعداد: رحمة عبدالعزيز. المصدر: وكالة أنباء “بلومبرج”. 

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية

نرشح لك


https://www.alborsanews.com/2020/03/25/1310926