منطقة إعلانية

منطقة إعلانية



منطقة إعلانية





إبراهيم مصطفى يكتب: آثار الفساد الاقتصادى


اقتصادنا يا تعبنا المقالة.. رقم 116

قد يكون من الصعب حساب تكلفة الفساد الاقتصادى وآثاره بدقة، وذلك بسبب سرية معظم ممارساته، وكذلك بسبب صعوبة قياس التشوّهات التى تنجم عنه اقتصاديًّا وسياسيًّا بشكل كمى دقيق. إلا أن الأدبيات الاقتصادية التى تتناول الفساد الاقتصادى بالبحث والدراسة اتفقت على وجود تكلفة وآثار مباشرة وغير مباشرة تصاحب انتشار الفساد.

وتتعدد الآثار السلبية للفساد الاقتصادى فى النواحى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فضلا عن أنه فى الأصل سلوك غير مقبول أخلاقيًّا داخل أى مجتمع سليم. وقد وجدت الدراسات المختلفة أن الفساد يؤثر فى النمو والمناخ الاقتصادى بوجهٍ عام من خلال قنوات مختلفة.

وفيما يأتى أهم تلك الآثار:

انخفاض معدلات الاستثمار

أوردت بعض الدراسات التى تم إعدادها خلال العقود السابقة أن الفساد له تأثير سلبى فى معدلات الاستثمار، حيث إن ثمة اتفاقًا بين الدراسات المختلفة على أن الفساد يُعد من بنود التكلفة وعدم التأكد uncertainty التى تتكبدها المشروعات الاستثمارية.

ارتفاع التكلفة الاجتماعية للإنفاق العام

يؤدى انتشار الفساد بالتدريج إلى توجيه الإنفاق العام إلى المشروعات التى يسهل التربّح من ورائها، أو تقاضى الرشاوى لدى إقامتها، وذلك على حساب الأولويات الحقيقية. فعلى سبيل المثال، يكون فى تلك الحالة الإنفاق فى مجال الدفاع أكثر جاذبية للحكوميين من الإنفاق فى مجال التعليم، حيث إن من السهل معرفة معايير الإنفاق والتسعير والتكلفة فى مجال التعليم.

ففى الدراسة العملية التى أجراها Mauro، وجدَ بالدليل الإحصائى أن الإنفاق على التعليم كنسبة من الناتج الإجمالى المحلى ترتبط سلبًا بمستوى الفساد فى الاقتصاد.

ومن ناحية أخرى، يؤثر انتشار الفساد بشكل كبير فى جودة السلع والخدمات العامة التى تقدمها الدولة للمواطنين، بل قد يصل إلى تهديد السلامة أيضًا. فعلى سبيل المثال كان هناك بعض حالات انهيارات العقارات فى بعض الدول تعود إلى تعاقدات تنطوى على مواصفات أقل من المطلوبة، أو حتى تنفيذ أقل جودة من المُتعاقد عليه.

ازدياد حجم الاقتصاد غير الرسمي

حيث وجدت بعض الدراسات علاقة ارتباطية بين مستوى الفساد وحجم الاقتصاد غير الرسمى. ويذكر فى الأدبيات الاقتصادية المختلفة أن «تزايد التحكمات البيروقراطية فى الشركات ونشاطها الاقتصادى» لا يؤدى إلى تباطؤ الحركة الاقتصادية أو تقلصها، بقدر ما يؤدى إلى «تخفيها»، أى تحولها إلى نشاط غير رسمى.

فيذكر Simon Johnson وآخرون فى دراسة أجريت عام 1998 على 49 دولة من الدول المتحوّلة اقتصاديًّا، أن كثيرًا من الشركات فى دول أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتى سابقًا، تتجنب التسجيل الرسمى مُضحيةً ببعض المزايا والخدمات الحكومية، هربًا من استغلالية البيروقراطيين فى تنفيذ بعض القوانين، مثل الضرائب على سبيل المثال، فقد أكدت الدراسات أن هناك علاقة معنوية مُوجبة بين الفساد والاقتصاد غير الرسمى، لاسيما فى الدول النامية، وهو ما ينال من قوة القانون وإنفاذ العقود وسلاسة البيئة الاستثمارية.

اتساع فجوة توزيع الثروات والدخول

تتصاحب المستويات المرتفعة من الفساد عادة مع توزيع غير متكافئ للدخل. فالفساد المتزايد يؤثر فى الأداء الاقتصادى من خلال العديد من المداخل التى سردها هذا المبحث، ومن ناحية أخرى يؤثر الفساد فى فاعلية النظام الضريبى كوسيلة من وسائل تحقيق العدالة، فكلما ارتبط الفساد بالفئات الأقدر والأكثر قربًا من السلطة، أثّر ذلك فى النظام الضريبى المُطبق بما يتوافق مع مصالح الفئات القادرة.

وكذلك قد يتم استخدام الثروة من قِبل الطبقات القادرة وتكوين lobby أوجماعات ضغط ومصالح لتمرير أو منع بعض السياسات بما يؤثر فى نمط توزيع الثروة وتملّك الأصول لمصلحتهم.

وفى السياق ذاته، فإن انتشار الفساد الاقتصادى يؤدى إلى تقليص دور الدولة فى إعادة توزيع الثروة، حيث يشكل الفساد المنتشر حافزًا قويًّا لمحاولة التهرب من الضرائب، بالإضافة إلى توسيع دائرة الاقتصاد غير الرسمى، وهو ما ينعكس على فاعلية البرامج التى تستهدف الحدّ من الفقر.

هشاشة النظام المالى

إن الأسواق التى تفتقر إلى التنظيم الجيد، والتى تعانى من وجود تلاعب أو احتيال، لها أثر بالغ فى المُدخرات، وتزيد من هشاشة النظام المالى والاقتصادى وحساسيته لأية أزمة مالية مُحتملة.

فصياغة الاتفاقات وصفقات الخصخصة التى تهدف إلى خدمة فئة قليلة من أصحاب المصالح والنفوذ والأطراف المُطلعة insiders، وتكرار ذلك، تؤدى تدريجيًّا إلى تقلص التأييد الشعبى لتلك الصفقات، وكذلك عزوف الطبقات المتوسطة وعموم المستثمرين عن الانخراط فى سوق المال وآليات التمويل الرسمية، لانخفاض مستوى الثقة العامة فى تلك الأنظمة، مما يعرض النظام المالى والمصرفى للكثير من عدم الاستقرار.

تزايد البيروقراطية (كسبب ونتيجة فى ذات الوقت)

تذكر بعض الدراسات أن البيروقراطية المتزايدة تُعد سببًا للفساد، ولكنها نتيجة له كذلك، حيث إن مصالح أصحاب المناصب والموظفين الحكوميين فى الجهاز الإدارى الحكومى ترتبط بوجود تشريعات مُعقدة وعمليات بيروقراطية مُتباطئة تساعدهم على تقاضى الرشاوى من الأطراف المتعاملة مع الحكومة، والتى ترغب فى تفادى طول الوقت والتكلفة المرتفعة.

الفساد وتراجع الاستثمار الأجنبى

قد يظل المجتمع جاذبًا للاستثمارات الخارجية فى ظل وجود الفساد، متى كانت تكلفته «قابلة للاحتمال»، أو ما أسماه البنك الدولى affordable corruption cost، إلا أن تلك الاستثمارات تُفضل أن تحصر أنشطتها فى الصناعات الاستخراجية، أو أى أنشطة صناعية خفيفة، أو أنشطة تجارية يمكن إعادة توزيعها جغرافيًّا فى حال أصبحت تكلفة الفساد والرشاوى غير مُحتملة اقتصاديًّا، كتكلفة إضافية على مشروعاتها، حيث تفضل الدولة صاحبة رأس المال الانسحاب من الدولة المستضيفة إذا ما كانت تكلفة الفساد أعلى من المُحتمل، أو متغيرة بدرجة يصعب التنبؤ بها، ومن ثم فإن المستويات المرتفعة من الفساد فى الدولة التى تسعى إلى جذب الاستثمارات تزيد من خطورة تهميشها فى الاقتصاد العالمى.

وما نبغى إلا إصلاحا وتوعية..

بقلم: إبراهيم مصطفى
خبير اقتصاد واستثمار وتطوير أعمال

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية

نرشح لك


https://www.alborsanews.com/2020/10/22/1392412